النويري
306
نهاية الأرب في فنون الأدب
وجدني قد ذخرت له من أجره وفضيلته ما يتمكن به القربة منى والوسيلة إلىّ ، وأفضل المنازل في دار المقام . وأجعل اسم ذلك البيت ودكره وشرفه ومجده وثناءه ومكرمته لنبىّ من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه يقال له إبراهيم ، أرفع له قواعده ، وأقضى على يديه عمارته ، وأنبط له سقايته ، وأريه حلَّه وحرمه ومواقفه ، وأعلمه مشاعره ومناسكه ، وأجعله أمة واحدة قانتا لي ، قائما بأمري ، داعيا إلى سبيلي ؛ أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم ؛ أبتليه فيصبر ، وأعافيه فيشكر ؛ وينذر لي فيفي ؛ ويعد لي فينجز ؛ أستجيب له في ولده وذرّيته من بعده وأشفّعه فيهم ، وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدّامه وخزّانه وحجّابه حتّى يبتدعوا ويغيروا ؛ فإذا فعلوا ذلك فأنا اللَّه أقدر القادرين على أن أستبدل من أشاء بمن أشاء . أجعل إبراهيم إمام أهل ذلك البيت وأهل تلك الشريعة ، يأتمّ به من حضر تلك المواطن من جميع الإنس والجن ؛ يطئون فيها آثاره ، ويتبعون فيها سنّته ، ويقتدون فيها بهديه . فمن فعل ذلك منهم أوفى نذره ، واستكمل نسكه ؛ ومن لم يفعل ذلك منهم ضيّع نسكه ، وأخطأ بغيته . فمن سأل عنى يومئذ في تلك المواطن : أين أنا ؟ فأنا مع الشّعث الغبر الموفين بنذورهم ، المستكملين مناسكهم ، المبتهلين إلى ربهم الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون . وليس هذا الخلق ولا هذا الأمر الذي قصصت عليك شأنه ؛ يا آدم ، بزائدى في ملكي ولا عظمتي ولا سلطاني ولا شئ مما عندي إلا كما زادت قطرة من رشاش وقعت في سبعة أبحر تمدّها من بعدها سبعة أبحر لا تحصى ، بل القطرة أزيد في البحر من هذا الأمر في شئ مما عندي . ولو لم أخلقه لم ينتقص شئ من ملكي ولا عظمتي ولا مما عندي من الغناء والسّعة ، إلا كما نقصت الأرض ذرّة وقعت من جميع ترابها وجبالها وحصاها ورمالها وأشجارها ، بل الذرّة أنقص للأرض من هذا الأمر لو لم أخلقه . ليس مما عندي ويعدّ هذا مثلا للعزيز الحكيم .